تحقيقات

اسواق الأنتيكات يعصف بها المقلّد والمستورد !

498820
تحقيق / قيس عيدان – تصوير/ محمود رؤوف

كانت محط أنظار كل السياح العرب والأجانب الذين يزورن العراق لما تمتلكها من محتويات ومخزونات ثمينة ونادرة. فأسواق الانتيكات التراثية وبشكل خاص السراي والصفافير والهرج والمستنصرية تعد الأبرز في العراق والمنطقة لما تتميز به من معروضات ومصنوعات يتفنن بها الحرفيون بكل مهارة ودقة الأمر الذي جعلها الأثمن والأجود والأجمل بين مثيلاتها في دول العالم الأخرى. وحسب ما قاله البعض ممن التقيت بهم كان كبار التجار من دول العالم يتوسطون من أجل تبادل او شراء مواد ثمينة اذ يعتبر العراق اكثر البلدان التى تحتوي على تحف نادرة وثمينة، لكن للأسف تلك المهن مهددة بالانقراض، بل يمكن ان نصفها بان تعالج بالانفاس الاخيرة بقناعة من اصحاب تلك المهن ان تعاود الحياة بشكلها الطبيعي في بلد شهد على مدار ثلاثة عقود العديد من الحروب والدمار !!

الأكثـر غنى
عقيل محمود (63) عاماً تاجر متخصص فى بيع وشراء الأنتيكات والأحجَار الكريمة يوضح مهنتنا تضم عدداً كبيراً من التجار المتخصصين والمعروفين في عالم الأنتيكات والأحجار، ولنا تعاملاتنا مع دول المنطقة وبعض دول الخليج واوروبا والتي جاءت عبر سنين من العمل المتبادل المبني على الثقة والامانة. مضيفا: اذ يقصدنا تجار من مختلف الدول والبلدان من المانيا ودول البلطيق وبولندا ومصر والسعودية للتبادل الانتيكات او للبيع والشراء بالبضائع الثمينة والنادرة. واشاعر محمود الى أن أسواق العراق المتخصصة فى بيع وشراء الأنتيكات لها خزين كبير ولا يزال البعض يحتفظ بتحفٍ وحاجات ثمينة بالرغم من بيع الكثير منها. معتبرا: العراق يُعد من البلدان الأكثر غنى في امتلاك المواد الثمينة ما بين دول العالم .
وبشان زوال بعض المحال التي كانت تتعامل بيع وشراء الانتيكات قال التاجر عقيل محمود: يعود سبب ذلك الى عزوف العديد من المتخصصين فى هذه المهنة الى تركها لأسباب عدة وهي معلومة للجميع خاصة الوضع الامني مشيرا الى انقراض العديد من الاسواق والمهن التراثية. مبديا اسفه لفقدان ألامل بعودتها بسبب عدم وجود قوانين عمل ضامنة للجميع وفقدان دعم حكومي من اجل المحافظة على هذا الموروث المهم عكس ما نشاهده فى بعض الدول.

تثمين السجاد
عبدالحكيم اسماعيل (45) عاماً عمل لفترة طويلة مع والده في مهنة بيع وشراء السجاد الأصلي هو الآخر اتخذ قراراً منذ أكثر من عام علي بيع المحال الخاصة بوالده والمتخصصة فى بيع وشراء السجاد الثمين التى تقع بالقرب من فندقي شيراتون والميرديان فى وسط العاصمة بغداد. اذ يقول لـ(المدى): منذ مطلع السبعينيات وحتي نهاية الثمانينيات كانت محال الوالد تتعامل بأثمن وأغلى أنواع السجاد ومنها الإيراني والمصري والعراقي وانواع اخرى تصل من دول عدة. منوه: ان السياح وخاصة من ساكني فندقي الشيراتون والمريديان يسارعون بزيارة المحل من أجل الحصول على أثمن أنواع السجاد والتحفيات الاخرى، بسبب زخم الأعداد الكبيرة من السياح آنذاك.

سجادة التاجر الروسي
واستدرك اسماعيل: لكن للأسف بعد الأحداث المتسارعة في مطلع الثمانينيات بدأت المهنة بالتراجع بشكل كبير وليس هناك زبائن وقد عادت الحركة بعد عام 2003 ولمدة عام لكنها توقفت بشكل ملحوظ الأمر الذى تطلَّب بيع المحال وترك المهنة بشكل نهائي. مستذكرا: حادثة سائحً روسي طلب من والدي الحفاظ على قطعة من السجاد الإيراني ودفع له عربوناً وقام السائح بالرجوع الى بلده وإحضار المبلغ بعد أربعة ايام ليستلم السجادة. موضحا: بعدها عرفنا أن التاجر الروسي يتجوّل فى دول المنطقة للحصول على الانتيكات والمواد الثمينة ومن هنا نعرف كيف يحافظ الكثير على هذه المهن فى دول العالم باستثناء ما يحصل في بلدنا.

المستودر وغياب السياح
سامي شكر محمود من أهالي منطقة الكاظمية صاحب محل لبيع (العباءة الرجالية) فى سوق المستنصرية يوضح لـ(المدى) أن سوق المستنصرية كان أحد المعالم المهمة التي يقصدها السياح الاجانب كونه مُلمّاً بجميع المواد والحاجات التراثية والانتيكات ومنها (العباءة الرجالية) التى كانت تجارة وفيرة لدول الخليج والمنطقة. مبينا: أن هذه المهن المهمة تمتاز بالدقة في العمل وبفنـِّها المميز خصوصاً فى مجال التطريز.
واضاف شكر محمود: كان هناك اقبال كبير على السوق من دول الخليج خصوصاً وتحديداً من دولتي البحرين والسعودية فيما كانت البضائع محجوزة مسبقاً من قبل أشخاص او المتعاملين معنا. موضحاً: كنا في السابق لا نستطيع أن نُلبي جميع الاحتياجات للزبائن بسبب الزخم الحاصل. اما الآن والحديث لسامي فالسوق متوقف وهناك عزوفاً كبيراً على اقتناء العباءة بسبب الظرف المالي ودخول المستورد وغياب السائح الأجنبي فى العراق الذي أثَّر بشكل كبير فى ديمومة هذه المهن التراثية.

السجاد الإيراني ودرابين بغداد
اما عباس محمد بائع (سِبَح ) متجوّل فقد تحدث لـ( المدى) قائلا : كانت أسواق الهرج والسراي والمسنتصرية ومحال بيع الانتيكات تعجُّ بالحياة والحركة منذ الصباح الباكر وحتى المساء. لافتا: انه يتم انهاء التعاقدات والصفقات بين التجار في دعوات العشاء او اللقاءات الجانبية مع البعض في المقاهي والمطاعم. مستذكرا: رغبة أحد التجار الإيرانيين فى الحصول على عدد من السجاد الإيراني بأي سعر وهو موجود فى العراق كون العراقيين هم مَن يمتلكون أجود أنواع السجاد والسِبَح والانتيكات والعباءة العربية من مختلف بلدان العالم ويعتبرون أن العراق كنز وفير من الحاجات والانتيكات فردَّ عليه أحد التجار الجالسين ( هل تريديني أن أفتر بداربين بغداد وأصيح عتيك للبيع !). مستطردا: هذا هو واقع الحال أننا نمتلك أغنى وأثمن التحف والأحجار الكريمة وغيرها من الامور ذات قيمة عند الآخرين وليس لدينا.
واوضح محمد: أن الأسواق بدأت بالإنقراض وكل ما موجود حالياً هو سوق للهواة مكدَّس فيه التقليد الصيني والمصري وليست هناك أشياء ثمينة. متاسفا: أن يكون حال تلك المهن فى العراق!

الظروف الاقتصادية للبلاد
المواطن جبار شكر توارث المهنة من والده بين أن انقراض هذه المهن لا يختلف بأي شيء عن الأحداث التى تحصل فى البلاد من خلال هجرة الاطباء والعقول وأصحاب الكفاءات. وأشار شكر بحديثه لـ(المدى) الى أن مهنة (النحاسين) وسوق الصفافير تحديداً شهدت انحداراً بمستوى أعداد المحال العاملة حالياً قياساً للفترة السابقة بعد ان اجتاحت السوق تجارة الاقمشة والملابس وغيرها من المهن التى ليس لها علاقة بنا. موضحا: أن المصريين وحتى الآن حريصون على المحافظة على أسواق (خان الخليلي) و (سوق الحميدية) في سوريا وتعمل دول الخليج علي إنشاء أسواق متخصصة فى صناعة التراثيات وتجارتها باستثناء نحن. لافتا: ان السوق يشهد ركودا كبيرا وعدم اقبال من الناس على منتجات السوق بسبب ظروف البلد العام والظرف الاقتصادي الغير مستقر، مع إهمال أصحاب المحال والايدي العاملة السوق ومزاولة أعمالهم التي لا توفر أبسط حاجات المعيشة اليومية.

ارتفاع أسعار النحاس
أمانة بغداد بيّنت عبر المتحدث في قسم الإعلام أن هناك إجراءات وخطة وضعتها أمانة بغداد بالتعاون مع وزارتي الثقافة والداخلية من أجل الحفاظ على سوق الصفافير وغيره من الاسواق التراثية، بل قامت بتعمير تلك الاسواق وفق معايير هندسية وتراثية بما فيها شارع المتنبي لاعتبارات كونها أسواقاً مهمة ومن الموروث الشعبي ومن الصناعات القديمة المتميزة. المتحدث الإعلامي أشار الى أن الامانة تحرص على المحافظة على هذه المهن وهناك نية وخطط لإعادة الحياة لجميع ألاسواق التراثية ومنها سوقا الصفافير والمستنصرية من خلال وضع السُبل والآليات والإجراءات التي من شأنها المحافظة على ملامحها التراثية والصناعات التقليدية القديمة فيها بعد تزايد حالات العزوف عن ممارسة هذه المهنة وانسحاب الحرفيين المهرة وتحوّل محالهم لمزاولة مهن أخرى. مستطردا: وذلك بسبب توقف تجهيز مادة النحاس للصفـّارين من قبل وزارة الصناعة والمعادن بأسعار تشجيعية وتوقف استيرادها من الخارج. موضحاً: أن عوامل أخرى لعبت دوراً في الوضع الذي آل إليه السوق منها توقف إرتياد هذا السوق من قبل الوفود والسياح الأجانب الذين يشكلون مورداً مالياً مهماً لأصحاب محال الصفـارة وكذلك قيام تجار الأقمشة بشراء واستئجار محال الصفـّارين بأسعار عالية.

الحرفيون يغادرون مِهَنهم
الدكتور معتز عبد الباسط ذكر بحديثه لـ(المدى): يوجد في العاصمة بغداد العديد من الاسواق المهمة مثل سوق( الصفافير والمستنصرية والسراي والهرج) يقصدها السياح القادمين الى بغداد وهناك حركة وعمل على مدار الساعة. مبينا: ان هذه الاسواق كانت تأوي المئات من العمال والحرفيين وغيرهم من العاملين.
وأشار معتز : منذ أكثر من عشرين عاماً، لم تشهد تلك الاسواق سياحاً حقيقيين، بل حتى الذي يقتني التحفيات والانتيكات ترك هذه الهواية بسبب الظرف الاقتصادي العام وان جميع أصحاب المهن غادروها لتوقف اقتناء نتاجاتهم. متسائلا: عن دور دائرة السياحة والاثار فى البلاد للمحافظة على هذه الاماكن المهمة؟ وهذا يعني أن هناك إهمالاً حكومياً مما سهـّل دخول العديد من أصحاب المهن الأخرى في السيطرة على تلك الأسواق كما حصل في سوق الصفافير!

إغلاق