تحقيقات

الهندام بين قوانين الدراسة ورغبات الطلاب

507393
 تحقيق /ايناس طارق تصوير :محمود رووف

اخذتني الذاكرة الى تخيل سماع صوت الجرس الحديدي المدرسي الذي يعلن بدء ساعة الاصطفاف الصباحي، وكيف كان الخوف يرسم ملامحه على وجوه التلاميذ والتلاميذات من التفتيش اليومي او الاسبوعي. عودة هذه الذاكرة بعد مشاهدات ما يرتدوه الآن بعض الطلاب فليس من السهل التمييز بين طلاب المدارس الابتدائية والمتوسطة وهم يسيرون بالشوارع للذهاب الى مدارسهم لولا حملهم حقيبة المدرسة. هذا المنظر هو من جعلنا نوقف بعضهم لطرح السؤال عن عدم اهتمامهم بالهندام والمظهر , الاجابات اختلفت بين التلاميذ واوليائهم واراء التربويين.

اختلاف الواقع التربوي
المشرف التربوي لمرحلة الدراسة المتوسطة فارس حسن ذكر لـ(الامل): اختلاف الواقع التربوي في العراق كان له تاثير كبير على الذوق والاخلاقيات والتصرفات وليس فقط على المستوى العلمي. مبينا: فالطالب أصبح لايبالي لكلام المدرس وهذا ينطبق في كل المراحل الدراسية، من حيث ارتداء الزي المدرسي واحترام اوقات الحضور الى الدوام اي الحضور في الساعة الثامنة.
وأوضح حسن: ان الامور كلها تغيرت في العراق وأصبح حتى الكادر التدريسي لايهتم بالكثير من الامور التربوية والتعليمية. مضيفا: لهذا نلاحظ ان التلميذ لايهتم لكلام الادارة ولاحتى للمعلم الذي يحاسبهم بسبب عدم تأدية الواجبات المدرسية والكثير من الامور الاخرى التي تُركت مع الأسف.

اولياء الأمور مقصرون
المعلم محمد قاسم بين لـ(الامل): ان اغلب التلاميذ واقصد الطلاب والطالبات بدأوا لايهتمون بارتداء الزي المدرسي عندما يأتون الى المدرسة. موضحا: ان القميص يكون لون والبنطال لون اخر غير الالوان المحددة. مضيفا: ان الكثير منا يعجز عن محاسبتهم بسبب تدخل الأهل والوضع العام وتفاصيل اخرى كثيرة بعضها معلوم لكم كإعلام.
وتساءل قاسم: اذ كان ولي امر الطالب يقف مع ابنه غير الملتزم ولايحاسبه فكيف بالمعلم او ادارة المدرسة ان تحاسب الطالب. متابعا: في السابق كان الطالب يميز من بين عشرات الشباب والصبيان بهندامه. مستدركا: اما الآن فللآسف اختفى كل ذلك وضاعت ملامح الطالب ولم يعد يمكن التمييز بينه وبين الآخرين، الازياء التي ترتدوها ألوانها براقة فضلا عن قصات الشعر والتسريحات الغريبة.

صالة عرض ازياء
واضاف المعلم التربوي: كم مرة جاء اولياء الأمور للتشاجر مع الادارة المدرسية لان المدير أمر احد الطلاب حلق شعره غير الملائم لهندام الطالب، او يقوم بنفسه بقص (الكذله السبايكي). مردفا: في اليوم الثاني جاء ولي امر الطالب يهدد بالفصل العشائري اذا فعل المدير ذلك.
واسترسل قاسم : عندما حاولنا الشرح له ان المدرسة لها زي مدرسي موحد وان قص الشعر والاظافر من تعليمات وزارة التربية وليس الامر بالخطير اذا فعل ابنك ذلك ساعدنا. مردفا: لكنه رد علينا: امام ابنه (عليكم اعطاء الدروس فقط). مستطردا: حتى الطالبات لايختلف الحال فالشريط الابيض كان يزيد من جمال الطالبة عندما تربط ظفيرتها وترتدي الصدرية الزرقاء والقميص الابيض سابقا نعم نقول سابقا لان في الوقت الحاضر اصبحت المدرسة مكانا لعرض الازياء بين الطلاب وهذه حقيقة ظهرت على مجتمعنا بعد عام 2003 .

لامحاسبة في البيت والمدرسة
تقول أمل نزار ولديها تلميذان في المرحلة الابتدائية احدهم في الصف الخامس الابتدائي لايقبل بان يحلق شعره رغم اننا نحاسبه في البيت ونسأله ألا تحاسبك المدرسة يجيب بـ(لا). مضيفة: حقيقة شعره طويل ويقوم بوضع الجل والدهونات وهو يقلد اصدقائه في المدرسة اضافة الى ان الزي المدرسي لايرتديه الا قليلاً. متسائلة: لماذا لاتقوم ادارات المدارس بالمحاسبة واين المرشد التربوي الذي يكون مسؤولا عن شعبة معينة ويفضل سابقا من تدريسي مادة الرياضيات واللغة العربية لانهما من المواد التدريسية الاساسية واليومية في جدول الدروس.
وبينت والدة التلميذين: كان مرشد الصف يقوم بمحاسبة المخالف وتأنيبه امام الطلاب وأن يأتي ولي امره الى المدرسة في اليوم التالي لمعرفة أسباب استدعائه. مضيفة: الآن نجد المدرسة لا تحاسب وحتى العوائل ايضا لا تحاسب. مشددة: ان المدرسة أصبحت مجرد مكان يذهب اليه الطلاب لقضاء سنة دراسية والانتقال الى اخرى دون اية مبالاة وحرص على احترام النظام التربوي والحرص على هندام الطالب.

تقاليد المدارس الاهلية
فيما علق الموظف رغيد خليل على اولاده وهم طلاب في المراحل المتوسطة والاعدادية أن هناك حاجة ماسة إلى اهمية الاعتناء بهندام ومظهر الطلاب. موضحا: ان المدارس الاهلية التي كثرت اعدادها جعلت من الالوان البراقة الاحمر والوردي والازرق زيا لطلابها. مردفا: لذلك نجد ان التلاميذ في المدارس الحكومية يرتدون هذه الالوان ايضا.
وأضاف خليل: ان تغاضي ادارات المدارس خصوصا عن تلك الظاهرة تسبب بتفشيها بين الطلاب. متابعا: الكثير من الطلاب والطالبات باتوا يرتدون ازياء لاتناسب الحياة الدراسية، التي تتسم بالجدية والموضوعية في المظهر والسلوك خاصة بعد عام 2003. مستدركا: لكن الوضع اختلف حاليا خاصة بعد تحسن الحالة المعيشية لفئات عديدة. وانفتاح السوق العراقية على العالم. مشيرا: ان هناك من كان يستطيع شراء ارقى الملابس وباسعار خيالية، في حين بقي اخرون ليس بمقدورهم شراء اكثر من زي واحد.

المكياج في المدارس
واضاف الموظف: الانفتاح التكنولوجي ودخول (الانترنت) وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي من قبل التلاميذ جعلهم يقلدون الاجانب في الكثير من الاشياء، خاصة الزي الموحد والهندام من حلاقة الشعر والاظافر. مبينا: ان مدارس اعدادية لاتحاسب تلاميذها على تسريحات الشعر، حتى ان بعض الطالبات يضعن المكياج. مؤكدا: لوكان هناك تواصل بين اولياء الامور وادارات المدارس لكانت هناك حلول حقيقة وعلاجات لهذه التصرفات التي تجعل الطالب يحفظ النظام ويحترام المدرسة ويكافح من اجل التقدم العلمي.

عرض العضلات والتسريحات
مدير الاشراف التربوي في مديرية تربية الرصافة الدكتور صباح البهادلي قال لـ(الامل): ان الاشراف التربوي يحفز ويحث ادارات المدارس بكل مراحلها الثلاثة على احترام القانون وتنفيذ تعليمات وزارة التربية. مضيفا: ومحاسبة المخالف من قبل التلاميذ (بنين وبنات) وحثهم ارتداء الزي المدرسي المقرر. مشددا: على ان يكون وضع التلميذ مؤهلا للمدرسة من حيث الهندام خاصة الشعر وتصفيفه.
وأشار البهادلي: الى وجود تعليمات وضوابط تلتزم بها ادارات المدارس وهناك لقاءات متواصلة بين ادارات المدارس وأولياء الامور من خلال اقامة اجتماع اولياء الامور وحثهم على متابعة مستوى اولادهم العلمي والتربوي والتزامهم بالدراسة. منوها: حقيقة يجب على الاهل متابعة اولادهم اولا باول وعدم تركهم يتصرفون على أهواهم ومحاسبتهم وحثهم على ان يكون مظهرهم لائقا بالدراسة. مؤكدا: ان المدرسة للتعلم وضبط السلوك وبناء الاجيال وليست مكانا لعرض التسريحات والعضلات.

المهم النجاح فقط
اما اخصائية طب ومجتمع الدكتورة مها نوري ذكرت لـ( الامل): ان التغيرات التي طرأت على المجتمع العراقي برمته كان لها تاثير واضح على جميع المستويات ومنها التعليم. موضحة: فالطلاب اذا كنا نتكلم عن المراحل الاولية للدراسة اصبحوا لايهتمون للمدرسة والادارة. مشددة: فالاهل لايشغلهم شيئا سواء ان ينجح ويتخطى مرحلة دراسية.
وأبدت نوري اسفها على ما وصل اليه الحال. مبينة: ان الاسرة والمجتمع تركت اجتماعات اولياء الامور والتباحث مع ادارات المدارس ومتابعة اولادهم في المدرسة والبيت وانشغلوا باشياء اخرى.

غياب الاصطفاف الصباحي
واستطردت اخصائية الطب والمجمتع: ان هندام ومظهر الطالب يمثل التزامًا أخلاقياً تجاه القوانين، ويجعله حريصا على فهم النظام ويمنح رؤية مشتركة للجميع ويبعد التمييز الطبقي بين فئات المجتمع. متابعة: حيث أفرزت الحروب، وانهيار الدولة، عائلات غنية بشكل مفرط، إلى جانب عائلات فقيرة لا تملك قوت يومها. وأشارت نوري: الى ان الاصطفاف الصباحي كان يسمح للجميع الوقوف صفا واحدا والسير امام الكوادر التدريسية واخراج المخالفين ومحاسبتهم وارسال ورقة انذار الى عوائلهم. مبينة: ان كل الامور اختلفت الآن الطلاب يتأخرون في الذهاب والحضور بسبب الازدحامات ولايوجد رقيب من المدارس بشكل جدي. مشددة: هذا مايؤثر ويضعف التعليم واحترام القانون التعليمي فالمدرسة لها قانون وضوابط واحترام معناها بناء واقع تربوي متماسك.

الالتزام يوم الخميس
تقول الطالبة سارة اياد في الصف الثاني متوسط: هندام الطلاب والطالبات اختلف كثيرا وحقيقة نرتدي في فصل الشتاء القماصل الملونة مع البلوزات بموافقة ادارة المدرسة ونلتزم بالزي الموحد يوم الخميس فقط اثناء فعالية رفعة العلم: مضيفة: لايوجد اصطفاف صباحي او تفتيش لذلك تمر المخالفات بسلام دون محاسبة او عقوبة من احد. متابعة: ان ادارة المدارس تتساهل معنا كثيرا في الحضور لان اغلبنا لديهم خطوط وتتأخر بسبب الازدحامات.
بينما يعتقد الطالب باسم كاظم المرحلة الاعدادية ان اغلب الطلاب لايهتمون لارتداء الزي المدرسي الموحد. ذاكرا: ان الكثير منهم يرتدي الملابس الضيقة والبنطال الجينز والبديات التي تظهر العضلات والتسريحات وتفاصيل الجسم. لافتا: ان ادارة المدرسة تقوم بالتنبيه اكثر من مرة لكن لا أحد يلتزم ولا الادارة تنفذ تهديدها. مشيرا الى ان اغلب المدارس الاوروبية لاتهتم للزي المدرسي المهم المستوى العلمي وتحقيق نسبة نجاح وبرأي ان الوضع الامني والتوترات هو من جعل الجميع يتغاضى عن المخالفات المدرسية للطلبة.

يلبسن الذهب
المعلمة رانيا حسين قالت لـ(الامل) انها في مدرسة أهلية طلابها يرتدون الزي المدرسي الرصاصي والوردي ولاتهتم ادارة المدرسة كثيرا بمحاسبتهم. مبينة: وجود طالبات يلبسن الذهب والاقراط بشكل يومي ولاتحاسبهم الادارة. مضيفة: يبدو ان السبب الاهم لهذه الظاهرة هو أدارات المدارس التي باتت عاجزة عن ممارسة دورها الحقيقي في محاسبة الطلاب وضبطهم او حتى اجبارهم على الالتزام بالدوام الرسمي والزي، اذ تقف عاجزة عن ردهم او اتخاذ الاجراء الحاسم لمنعهم.
واضافت حسين: اما لانها ادارة ضعيفة ومغلوب على أمرها، او تدخّل بعض الجهات الخارجية في عمل الادارة، فعندما تقوم الادارة بمحاسبة الطالب يتدخل الشخص الفلاني والتابع للحزب الفلاني او المسؤول الفلاني في تلك المنطقة وتدخل المدرسة في متاهات عدة. مشددة:الأمر الذي يضطر ادارة المدرسة الى السكوت وغض ابصارها عن الخطأ، بالتالي عدم محاسبة المقصرين مما يؤدي الى تشجيع الباقين من الطلاب على ارتكاب الخطأ ذاته الأمر الذي أدى الى انتشار الفوضى في اكثر مفاصل التعليم.

إغلاق