تحقيقات

بغياب القوانين والضوابط..الصيد الجائر والأمراض والمستورد تُهدِّد الثروة السمكية

500042
تحقيق/ قيس عيدان
تشهد الأسواق العراقية أنواعاً عديدة من السمك المستورد من مختلف اسواق العالم فيما تتراجع سوق السمك العراقي الى أقل المستويات قياساً في الأعوام السابقة ليشهد سعر الكيلو الى أقل من اربعة آلاف دينار في سوق الجملة، البعض يرى أن اسباب هذا الانخفاض جاء بسبب المستورد والآخر يعزو الى تعرُّض العديد من الأحواض إلى أمراض وفيروسات أجبرت أصحاب الأحواض الى بيع الأسماك، بهذا السعر المنخض قياساً الى كلفة تربيته !

التسويق غير القانوني
الطبيب البيطري خالد كريم أوضح لـ(لوكة داخلية) أن تطوير الثروة السمكية يُعد من المهام التي يجب النهوض بها وفق ستراتيجية تحددها وتضع سُبل تنفيذها الجهات ذات العلاقة ضمن برنامج واضح ومعروف. مضيفا: يتضمن وضع قوانين تتعلق بالصيد الجائر للأسماك و إنشاء مركز بحوث وتربية ألاسماك وتطوير إنتاجيتها كثروة مستدامة، مسترسلا: مع دراسة المسطحات المائية وتحويلها الى محميات خاصة لتربية الاسماك.
واضاف عبد الرزاق: كما يجب تحديد محطات بحثية داخل المسطحات المنتخبة لغرض البحث ودراسة جميع العلاقات الهيدروبيولوجية من حرارة وحامضية وكميات الأوكسجين وثاني أوكسيد الكاربون ونوع الغذاء المتوفر، مع إمكانية تنمية أحياء غذائية مثل القشريات البلانكتونية كالدافينيا، داعياً: الى أهمية دراسة الأمراض المتوطنة أوالمنقولة في تيارات المياه القادمة لتلك الخزانات والأسماك غير المرغوبة أو بيوضها، والنواعم التي قد تكون مضيفا وسطيا للطفيليات المرضية. مستطردا: والعمل كذلك بإنشاء مزارع سمكية تعد كمحميات مغلقة يُربى فيها هذان النوعان من عمر الفقس حتى نضوجها الجنسي، ثم تطلق في الأنهار العراقية باتجاه أو قرب أعالي دجلة بين بلد وتكريت وأعالي نهر الفرات بين هيت وحديثة، مع إنشاء مدرجات خاصة للأسماك قرب مناطق السدود والخزانات وترقيمها.
عـدم وضع الضوابط
عبد الرزاق محمود عبد، صاحب مجموعة أحواض في بابل، يقول تعد محافظة بابل من أكثر المحافظات في عدد بحيرات الأسماك. مبينا: ان هناك محافظات تنتج كميات كبيرة من الاسماك قادرة على ألاكتفاء الغذائي لهذه الثروة الغذائية المهمة.
بحيرات غير مجازة
وأوضح عبد: أن هذه المهنة تعرضت للكثير من المضايقات منها الصيد الجائر الذي يشكل قتلاً للثروة السمكية مثلما يدلل على عدم وعي الصيادين بالقانون، داعيا: الى اتخاذ إجراءات عاجلة بحق مَن يحاول قتل الثروة السمكية لأنه يعمل على انقراض الأسماك أو على الأقل انقراض انواع مهمة مثل الشبوط والبُني والبز. وبشأن المشاكل التي تعترض زيادة وتكاثر الثروة السمكية قال: من أبرز المشاكل شحة المياه وكثرة البحيرات غير المجازة ورخص أسعار الأسماك بسب الاستيراد العشوائي خصوصاً الإيراني والتركي وعدم استيراد الأعلاف المركزة. مضيفا: مع شيوع حالات الصيد الجائر وانشاء البحيرات غير المجازة وكثرة المكاتب الزراعية التي تبيع السموم والتي تستعمل في صيد الأسماك وعدم وضع ضوابط لعملها مع غياب الرادع قانوني!
أمراض تفتك بالأسماك
احمد عبد الوهاب بائع سمك متجول يقول : إن أسباب انخفاض الأسعار لهذا العام هو بسبب اصابة العديد من الاحواض بامراض فيروسية مما دعا اصحاب الاحواض الى بيع الاسماك بأقل الأسعار، موضحاً: ان ما موجود حالياً في الأسواق هي كميات من وزن كيلو الى كيلوين، إذ لم يتمكن المربون بقاء الأسماك لفترات طوال في الأحواض بسبب المرض الأمر الذي يؤدي الى خسارة كبيرة.
وعزا عبد الوهاب انخفاض الأسعار أيضاً الى دخول كميات كبيرة من السمك المستورد الذي يُباع بأسعار اقل بكثير من السمك العراقي. مضيفا: مع كثرة البحيرات والبائعة المتجولين حيث بات الربح البسيط هدفاً للكثير منهم بسبب الوضع الاقتصادي الحالي.
إصابة الأسماك بالعُقـم
فيما ذكر المربي ناظم حسين هناك البعض من الصيادين يستخدمون السموم والمواد الكيمياوية مثل المبيدات الحشرية لصيد الأسماك وهذا يشكل خطراً كبيراً على الأسماك و جميع الأحياء ومنها الانسان، مشدداً: أن الأسماك التي تنجو من السموم تواجه خطر الإصابة بالعُقـم وقد تمتد خطورة تلك المواد إلى الإنسان مسببة موته او تسممه في أضعف الأحوال.
واشار حسين الى ان بعض الصيادين يعمدون إلى الصيد بوساطة الشباك ذات الأقطار الصغيرة التي تؤدي إلى الإيقاع بالأسماك الصغيرة الأمر الذي يسبب مشاكل في التكاثر، لافتاً الى ان البعض يستخدم الصعق الكهربائي الذي يؤدي إلى قتل جميع الكائنات الحية الموجودة في المكان مما يؤثر سلباً على التنوع الإحيائي في البيئة المائية!
المفقس الصيني للتكاثر
وزارة الزراعة من جانبها اعتمدت طرق متميزة لزيادة انتاج وأقلمة الاسماك للمحافظة على الخزين السمكي في العراق .وبحسب بيان صحفي اطلعت عليه (المدى): ان وزارة الزراعة عملت على زيادة تطوير الثروة السمكية وأقلمتها عن طريق انشاء عدد من المفاقس الحديثة وفق احدث التقنيات لتربية وتكثير الاسماك ومنها [المفقس الصيني] في الصويرة الذي يستخدم لتكثير وتنمية اليرقات الى مرحلة الإصبعيات في الأحواض ذاتها ، موضحا ان طريقة [المفقس الصيني] هي من طرق التكثير والتنمية الحديثة حيث تستخدم للمحافظة على اكبر عدد ممكن من اليرقات لتعزيز المخزون السمكي من خلال تكثير الاسماك المحلية واطلاق اصبعياتها في المسطحات المائية.
واضاف البيان : ان مشروع المفقس الصيني في الصويرة يمتاز بمواصفات عــدة حيث تتم السيطرة فيه على احواض الاسماك من ناحية الامراض وطريقة التغذية وصولاً الى افضل انتاج من الاسماك العراقية فضلاً عن دور وزارة الزراعة ضمن خططها المستقبلية التوجه الى الاسماك العراقية مشيرا: الى ان الانتاج في المفقس الصيني يعود بالنتائج الايجابية لرفـد المسطحات المائية بالأسماك العراقية كما يحتوي المفقس على كادر بيطري وكادر علمي و بإشراف متخصصين في مجال الثروة السمكية.
شباك غير قانونية
مهند عدنان صاحب مكتب بيع المواد الخاصة بمربي ألاسماك في السنك يقول لـ(المدى): للأسف يعتمد بعض المربين الى استخدام الطرق المحرمة وغير القانونية بصيد الأسماك بالشباك، لافتاً: الى ان البعض منهم يستخدم شباك تصيد حتى الإصبعيات او التي تكبرها بقليـل.
وبشأن أنواع الشباك قال عدنان: هناك نوع يُسمى السبيعي وآخر الثميني وثالث التسيعي ورابع العشيري والتي تستخدم في عمليات صيد الاسماك ذات الاحجام الكبيرة والمتوسطة، مبينا: أنها تكون ذات طول يبلغ قرابة (100) متر واكثر وبعرض (5) امتار وربما اكثر لتنزل الى قاع النهر، مشيراً: هناك نوع آخر يسمى الدودي يستخدم لحجز الأسماك الصغيرة جدا، ويستخدمها اصحاب حقول تربية الاسماك اكثر من غيرهم لأنهم يعتمدون في عزل صغار الاسماك.
ضوابط الجهات المختصة
أستاذ كلية الزراعة اسماعيل القره غولي يوضح لأن أغلب صيادينا تركوا الاسماك النهرية لصالح الاسماك التي تربى في أحواض خاصة على شكل مسطحات مائية اصطناعية كي توفر لهم أرباحاً. منوِّهاً: ان تربية الاسماك بالأحواض وبالأقفاص العامة انتشرت يشكل كبير وتشهد تطوراً ملحوظاً.
وأضاف القره غولي: أن الاستهلاك المحلي يعتمد الآن على مشاريع تنتج الاصبعيات وبيوض التفقيس وأخرى تنتج الاسماك الجاهزة وبأوزان مختلفة، مستدركا: لكن لا تزال هذه المشاريع بحاجة الى دعم وعمل متواصلين مع تعاون مشترك بين القطاعين الخاص والحكومي، مبيناً: ان كمية الاسماك المنتجة يوميا كبيرة، مشيرا: الى ان المشكلة هي قلة المياه والضوابط التي تفرضها الجهات المختصة التي تمنع التوسع في مزارع الاسماك لأنها تحتاج الى كميات مياه كبيرة.
تأسيس شركات الصيد
فيما يرى معتز عباس خبير متقاعد في وزارة الزراعة بحديثه لأن حماية الأنهر والبحيرات الصغيرة من التلوث وتأسيس شركات صيد كبيرة تمتلك سفناً تستطيع الوصول إلى الاماكن البعيدة وإصدار شهادات توثيق بان المنتجات السمكية هي من انتاج مصدر خاضع لإدارة تنظيم الثروة السمكية، مبينا: ان هذه إحدى الخطوات المهمة لحماية الثروة السمكية في البلاد. مشيراً: أن صغار صيادي الأسماك يواجهون صعوبات في الحصول على مثل هذه الشهادة لتوثيق منتجاتهم.
أمراض الأسماك
اما الدكتور يوسف جديد استاذ كلية الزراعة اشار في دراسة إلى تقدم أهمية الاهتمام بالأحواض وصيانتها وتجفيفها وتعقيمها لقطع دورة حياة العامل المرضي وإجراء المغاطس الوقائية للأمهات والإصبعيات قبل بداية مرحلة التربية لمنع ظهور المرض وانتشاره. مبينا: أن أمراض الأسماك تصيب جميع الأنواع السمكية وخلال مراحل نموها المختلفة إذا ما توافرت العوامل المساعدة لظهورها منها أمراض التغذية التي تشكل صعوبات اقتصادية لا يمكن إهمالها وخاصة في مزارع التربية الكثيفة سواء منها في مزارع دائمة الجريان أو في التربية بأقفاص التسمين للحاجة الماسة إلى الأعلاف الجاهزة المتكاملة نوعياً.
وأوضح أستاذ كلية الزراعة: ظهور الأعراض مثل فقدان الشهية، الهزال، توقف النمو، اضطرابات عصبية، فقدان التوازن تفصص الزعانف، تبدل اللون تقرحات الجلد، العمى الوفيات بنسب مختلفة، مشيراً: لا يمكن بسهولة على المربي تحديد النقص في الغذاء إلا بواسطة المختبر لذلك لابد من استعمال الأعلاف الجاهزة ذات التركيب الجيــد.
الحفاظ على الثـروة السمكية
سبق وأن نظمت كلية الطب البيطري في جامعة بغداد ندوة علمية بعنوان (الثروة السمكية وآفاق تطورها بالعراق) وذلك للوقوف على سُبل الحفاظ على الثروة السمكية في العراق وآفاق تنميتها وتكاثرها .وقد تضمنت الندوة محاضرات عن “مخاطر انقراض الأسماك الاقتصادية” و”الأمن الحيوي في المزارع السمكية”، و”الامراض الشائعة في الاسماك”، اضافة الى “تربية الأسماك في الأقفاص العائمة”.
وخرجت الندوة بتوصيات عــدة من بينها، الدعوة الى وضع قوانين تتعلق بالصيد الجائر للأسماك دون عمر نضوجها الجنسي، باستعمال الشباك غير القانونية، وإنشاء مركز لبحوث وتربية ألاسماك وتطوير إنتاجيتها كثروة مستدامة، ودراسة المسطحات المائية وإمكانية استغلال أفضلها كأحد المحميات الخاصة للتربية، وتحديد محطات بحثية داخل المسطحات المنتخبة لغرض البحث ودراسة جميع العلاقات الهيدروبيولوجية من حرارة وحامضية وكميات الأوكسجين وثاني أوكسيد الكاربون ونوع الغذاء المتوفر، مع إمكانية تنمية أحياء غذائية مثل القشريات البلانكتونية كالدافينيا، ودراسة الأمراض المتوطنة أو المنقولة في تيارات المياه القادمة لتلك الخزانات والأسماك غير المرغوبة أو بيوضها، والنواعم التي قد تكون مضيفا وسطيا للطفيليات المرضية، والعمل كذلك على إنشاء مزارع سمكية، مع إنشاء مدرجات خاصة للأسماك قرب مناطق السدود والخزانات وترقيمها لإكمال الدراسات البحيثية والبيولوجية، وتفعيل مختبرات التلقيح الاصطناعي، والحفاظ على البيئة المائية من التلوث.

إغلاق